السيد الطباطبائي

121

تفسير الميزان

وقد تقدم في قوله تعالى : ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار " الأعراف : 54 ، أن الاستواء على العرش كناية عن الاحتواء على الملك والاخذ بزمام تدبير الأمور وهو فيه تعالى - على ما يناسب ساحة كبريائه وقدسه - ظهور سلطنته على الكون واستقرار ملكه على الأشياء بتدبير أمورها وإصلاح شؤنها . فاستواؤه على العرش يستلزم إحاطة ملكه بكل شئ وانبساط تدبيره على الأشياء سماويها وأرضيها جليلها ودقيقها خطيرها ويسيرها ، فهو تعالى رب كل شئ المتوحد بالربوبية إذ لا نعني بالرب إلا المالك للشئ المدبر لامره ، ولذلك عقب حديث الاستواء على العرش بحديث ملكه لكل شي وعلمه بكل شي وذلك في معنى التعليل والاحتجاج على الاستواء المذكور . ومعلوم أن " الرحمن " وهو مبالغة من الرحمة التي هي الإفاضة بالايجاد والتدبير وهو يفيد الكثرة أنسب بالنسبة إلى الاستواء من سائر الأسماء والصفات ولذلك اختص من بينها بالذكر . وقد ظهر بما تقدم أن " الرحمن " مبتدأ خبره " استوى " و " على العرش " متعلق بقوله " استوى " والمراد بيان الاستواء على العرش وهذا هو المستفاد أيضا من سائر الآيات فقد تكرر فيها حديث الاستواء على العرش كقوله : " ثم أستوى على العرش يغشي الليل النهار " الأعراف : 54 ، وقوله : " ثم استوى على العرش يدبر الامر " يونس : 3 ، وقوله : ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي " ألم السجدة : 4 ، وقوله : " ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض " الحديد : 4 ، إلى غير ذلك . وبذلك يتبين فساد ما نسب إلى بعضهم أن قوله " الرحمن على العرش " مبتدأ وخبر ثم قوله " استوى " فعل فاعله " ما في السماوات " وقوله : " له " متعلق بقوله " استوى " والمراد باستواء كل شئ له تعالى جريها على ما يوافق إرادته وانقيادها لامره . وقد أشبعنا الكلام في معنى العرش في ذيل الآية 54 من سورة الأعراف في الجزء الثامن من الكتاب ، وسيأتي بعض ما يختص بالمقام في البحث الروائي التالي إن شاء الله تعالى . قوله تعالى : " له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى "